الجصاص
355
الفصول في الأصول
بقاء الفرض عليه حتى ينقلنا عنه دليل . فكذلك يقال لمن أجاز بيع أم الولد بالإجماع المتقدم في جواز بيعها قبل الاستيلاء : إنا قد أجمعنا أنها في حال الحمل لا يجوز بيعها ، فلا نزول عن ذلك الإجماع بعد الولادة ، حتى ينقلنا عنه دليل ، وهذا أيضا قول من يقول : إن النافي ليس عليه دليل ، فنقول له : فأقم الدليل على صحة اعتقادك للنفي ، لأن اعتقادك لنفي الحكم : هو إثبات حكم . فمن أين ثبت هذا الاعتقاد ؟ فإنك لا تأبى من إيجاب ( 1 ) ( الدليل ) ( 2 ) على المثبت . وأنت مثبت للحكم من الوجه الذي ذكرنا ، كذلك نقول للقائل : بأنا على الإجماع الأول : إنك قد أثبت حكما لغير الإجماع بعد وقوع الخلاف ، فهلم الدلالة عليه ، إلى أن نرجع إلى قول من يقول : لا دليل على النافي فيلزمك ما ألزمناه ، وما سنبينه فيما بعد : من فساد قول القائلين بهذه المقالة . فإن قال قائل : لما كانت الحال الأولى يقينا ، لم يجز لنا بعد حدوث الحادثة : أن نزول عنها بالشك ، لأن الشك لا يزيل اليقين ( فوجب البقاء على الحال الأولى . قيل له : اليقين غير موجود بعد وجود الشك ) ( 3 ) فقولك لا يزول اليقين بالشك خطأ ، وعلى أن الله قد حكم في مواضع كثيرة بزوال حكم قد علمناه يقينا بغير يقين ، قال الله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) ( 4 ) وقد كان كفرهن يقينا ، فأزاله ظهور الإسلام منهن من غير حصول اليقين بزواله ، لأن إظهارهن الإيمان ليس بيقين أنهن كذلك في الحقيقة . وقد قال تعالى في قصة المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ) ( 5 ) إلى آخر الآية ، فحكم بقبول ( 6 ) توبتهم ، وإزالة حكم الذنب الذي قد تيقن وجوده منهم من غير يقين منا بحقيقتها ، إلا ما أظهروا من التوبة ، ثم قال تعالى : في قوم آخرين : ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا